فرنسا: لاروايا...البوابة الموصدة في وجه المهاجرين (ح 1) - Infomigrants

طريق الهجرة الوعر
عبر جبال "لاروايا" الفرنسية

فرنسا: "لاروايا"...البوابة الموصدة في وجه المهاجرين
الحلقة الأولى

أنقر هنا للتصفح


  الصورة: مهدي شبيل

تشكل منطقة "لاروايا" على الحدود الفرنسية الإيطالية نقطة عبور أساسية بالنسبة للمهاجرين الراغبين في المرور إلى فرنسا. واستأثرت في المدة الأخيرة باهتمام كبير من قبل وسائل الإعلام الفرنسية والدولية إثر المحاكمات المتوالية التي تعرض لها ناشطون ومتعاطفون مع المهاجرين.

أثارت جبال "لاروايا" على الحدود الفرنسية الإيطالية اهتمام وسائل الإعلام الفرنسية والدولية لانخراط العديد من سكانها في عملية التضامن مع المهاجرين رغم التهديدات الأمنية والقضائية التي تلاحقهم. وعرفت المنطقة المحسوبة على إقليم "ليه زالب كوت دازور" بكونها كانت عبر التاريخ الحديث معبرا للمهاجرين القادمين من الجارة إيطاليا نحو فرنسا. ويذكر سكانها أن هذه المرتفعات قطعها قبل عقود الكثير من الإيطاليين الفارين من النظام الفاشي.



بدأ تدفق المهاجرين إلى المنطقة عبر القطار أو مشيا على الأقدام في 2015، لكن استفحال الأزمة حصل بين خريف 2016 حتى صيف نفس السنة. مهاجرون من جنسيات مختلفة أغلبيتهم أفارقة، يصلون إلى المنطقة في الكثير من الأحيان مشيا على الأقدام.

ومع التدفق الهائل للمهاجرين بدأت تنتظم حول هؤلاء المهاجرين حركة تضامن واسعة، حضرت في قلبها جمعية لها صيت كبير في مساعدة المهاجرين، تدعى "لاروايا سيتويان" تنشط في المنطقة التي تضم خمس بلدات.



منطقة تحت "الحصار الأمني"

  الكاميرونيان عيسى وألان يأويهما أليكس سيرفين في منزله منذ أيام

ويرى السكان الذين يعملون على مساعدة المهاجرين أن المنطقة تعيش اليوم تحت "حصار أمني" حقيقي، وهم معرضون في أي وقت للتوقيف والمتابعة القضائية. وتتوزع قوات الأمن الفرنسية عبر أهم المحاور الطرقية والسككية التي يسلكها المهاجرون القادمون من إيطاليا في محاولة منهم للتسلل إلى الداخل الفرنسي.

وللتعبير عن الضغط الممارس على ناشطي "لاروايا"، تقول المسؤولية على مالية "لاروايا سيتوايان" كاثرين اغرو: "نشعر بالارتياح عندما نخرج من المنطقة"، وتتابع الناشطة نثالي ماسيليا "أن الضغط ليس أمني فقط وإنما إعلامي أيضا"، علما أن أربعة أشخاص ستتم محاكمتهم بتهمة مساعدة مهاجرين.

وتوجد المراقبة الأمنية على الخط السككي الرابط بين مدينة فانتيمي الإيطالية و"براي سور لاروايا" لاسيما في محطتي سورج وسوسبيل، حيث تتمركز قوات فرنسية بما فيها عناصر من الجيش.



 محطة سوسبيل التي شددت فيها السلطات المراقبة الأمنية

وفي الوقت الذي تقوم فيه قوات الأمن بدوريات على متن القطار عند مرورها عبر محطتي "سورج" و"سوسبيل"، وتتصفح وجوه الركاب واحدا تلو الآخر، وقد تطلب من البعض الإدلاء بهوياتهم، تراقب عناصر الجيش الوضع من خارج القطار، حيث يأتي حضورها في إطار المخطط الحكومي لمحاربة الإرهاب.

ونظرا للمراقبة الأمنية المشددة المفروضة على بلدات المنطقة، يفضل المهاجرون الدخول إليها عادة في وقت متأخر من الليل، وهناك من يحاول عبورها نهارا إلا أن رحلتهم قد تنتهي في الكثير من الحالات لدى رجال الدرك.

وهذا ما حصل مع خمسة أفارقة ثلاثة من ساحل العاجل واثنان من غانا. كان التعب باديا على وجوههم وهم ينتظرون قدوم الحافلة في إحدى المحطات. مشوا سيرا على الأقدام كل الليل من فانتيمي بإيطاليا على الحدود مع فرنسا إلى بلدة سانمار دوتان الفرنسية. كانوا جميعا يرغبون في عبور المنطقة والانتقال إلى الداخل الفرنسي، إلا أنه تم توقيفهم في وقت لاحق من قبل قوات الدرك، وفق مصدر في جمعية "لاروايا سيتوايان".



 دورية لقوات الدرك على متن القطار في محطة سوسبيل

وتفيد أرقام لمحافظة الشرطة بالإقليم أنه تم طرد 63789 مهاجرا، 95 بالمئة منهم تم إعادتهم إلى إيطاليا، فيما أحالت السلطات 326 قاصرا على المصالح المعنية في مدنية نيس عاصمة الإقليم خلال نفس السنة.

وأدت المراقبة الأمنية المشددة بالمنقطة لنوع من التجاوزات، تقول مهاجرة من جزر القمر تقيم بالمنطقة بصفة قانونية، إنها كانت ضحية لها. وصرحت إيميلي، وهو اسمها المستعار، لـ"المهاجر نيوز"، إنها تعرضت للتحقيق والمساءلة "فقط لأن بشرتها سوداء اللون".



أسر تفتح أبواب منازلها للمهاجرين
  مهاجرة بوضعية قانونية تعرضت للمساءلة لأنها "سوداء البشرة"

ونجح مهاجرون آخرون في إيجاد مأوى في منازل أشخاص، اختاروا فتح أبواب بيوتهم في وجوههم. أشهر هؤلاء سيدريك هيرو، الذي كان يستضيف عند زيارتنا له الشاب السوداني محمد ص. وسبق له أن استقبل في نفس الوقت 60 مهاجرا.

وإن كانت وسائل الإعلام سلطت الضوء كثيرا على سيدريك هيرو جراء مثوله أمام القضاء في قضاء تتعلق أساسا بمساعدة المهاجرين، فجبال "لاروايا" تضم الكثير من الأشخاص الذين قرروا المشي على خطى هيرو.

كلودين، كاثرين وأليكس وآخرون نماذج لأشخاص من "لاروايا" قرروا الانخراط في مساعدة المهاجرين . أليكس سيرفين، وهو شاب في 36 عاما من العمر، أب لمراهق في 16، ترك الحياة الباريسية ليستقر في المنطقة.

يعمل أليكس كمرافق سياحي، يستضيف في منزله، الذي يستغل جانب منه للاستئجار للسياح، شابين من الكاميرون: عيسى 19 عاما وألان 29، وسبق له أن استضاف 27 مهاجرا دفعة واحدة.

وعلى غرار تصريحات من يستضيفون مهاجرين في منازلهم، يقول أليكس إنه يفتح أبواب بيته لهؤلاء المهاجرين بدافع إنساني محض، ولا يخفي ما لهذه اللقاءات مع المهاجرين من مكاسب ثقافية ومعرفية، تسمح له بـ"معرفة ما يدور في العالم".



من هم هؤلاء الذين يرفضون وجود المهاجرين بـ"لاروايا"؟
  أليكس سيرفين يستضيف ألان وعيسى الكاميرونين في منزله

الترحاب الذي يلاقيه المهاجرون في "لاروايا" لا يلقى صداه عند جميع سكان المنطقة، وهو ما أكده أليكس سيرفين، حيث أوضح أن مجموعة منهم دقوا العديد من الأبواب في قرية مجاورة طلبا للمساعدة، لكن لم يفتح أي كان باب منزله في وجوههم.

وتتحدث الألسن في المنطقة عن قيام البعض من السكان بإبلاغ مصالح الأمن والدرك في حال رؤيتهم لمهاجرين، إلا أنه من الصعب جدا العثور على أحد من هؤلاء للحديث في الموضوع. واعتبر مسير فندق في بلدة "تاندر" أنهم يشبهون ناخبي اليمين المتطرف، "فهم يصوتون له دون أن يتحدثون عن ذلك علانية" على حد تعبيره.

كما نفى عمدة بلدة "براي"، بوسط مرتفعات "لاروايا"، أندري إيبير أن يكون اتصل به مواطنون يشتكون من وجود مهاجرين على تراب البلدية. وأكد لـ"مهاجر نيوز" أنه لا يمكن له "خرق القانون" لمساعدة المهاجرين. ودحض في الوقت نفسه من يتهمونه من الناشطين على أنه يغير رأيه بشأن هذا الملف حسب المحاورين الموجودين أمامه.

ويعتبر إيبير أن "مسوؤلية" ملف المهاجرين تعود إلى "الدولة وأوروبا"، إلا أن المنطقة لاتزن كثيرا سياسيا بهذا الخصوص حتى تمارس نوعا من الضغط على الحكومة، بسبب التشرذم الحاصل بين البلديات الخمس المكونة للمنطقة، حيث يشير العمدة أنه لا يوجد أي تنسيق فيما بينها لمحاولة التفكير جماعيا في الأزمة.



المقاربة السياسية للأزمة بعين الناشطين
  أندري إيبير عمدة بلدة براي

يحمل سيلفان غوغوا، المكلف بالعلاقات مع الصحافة في جمعية "لاروايا سيتوايان"، رؤية سياسية للملف، حيث يعتبر أنه "يجب على فرنسا أن تتحمل مسؤوليتها الكاملة في قضية المهاجرين". ويرى غوغوا أن "إيطاليا بلد فقير، ولا يمكنها أن تستقبل جميع المهاجرين".


سيلفان غوغوا المكلف بالعلاقات مع الصحافة في جمعية "لاروايا سيتوايان"

كما يعتبر أن "المنطقة تركت لحالها من قبل الدولة، وتواجه مصيرها لوحدها ليس فقط بخصوص أزمة المهاجرين، لكن على أكثر من مستوى"، بحسب رأيه، ويقول في هذا السياق "لدينا الانطباع أننا خارج الحدود الفرنسية. نشعر منذ سنوات أن الدولة لا تهتم بالمنطقة".


الطابق العلوي من منزل سيلفان غوغوا الذي يخصصه لاستضافة المهاجرين

ولا يستوعب غوغوا ردود السلطات الفرنسية بالمنطقة عندما يطلب منها التحرك لإيجاد الحلول لهؤلاء المهاجرين، حيث يقول إن هذه السلطات تعتقد أن المهاجرين في "وضعية حسنة في إيطاليا"، مشيرا إلى وجود قاصرين ضمن المرحلين إلى البلد الجار إثر اعتقالهم في المنطقة، إذ اتهم السلطات بـ"خرق القانون".